مُدَوّنة منصور بن محمد المقرن

3 تعليقات

من الطبيعي أن ترى رجلاً يجلس على مائدة طعامٍ ويختار منه ما يشتهي، أو تفتح فتاةٌ خِزانةَ ملابسها وتنتقي منها ما تُحب، أو يدخل أحدٌ متجراً فيشتري سلعاً تعجبه ويترك ما لا يعجبه، لكن من غير الطبيعي، ولا المعقول، بل ولا من الشرع؛ أن يختار مسلمٌ من أحكام دينه ما يحب ويحقق له مصالح دنيوية، ويترك ما يرى فيه مشقة وكُلفه، وهذا ما يمكن تسميته بـ (التديّن المصلحي، أو الإنتقائي) وكأن الجنّة لم تُحفّ بالمكاره .. ومن أمثلة ذلك:

رجلٌ يحافظ على الأذكار حتى يحمي نفسه من الحسد والضرر، ويُذكِّر أولادَه بالأدلة الشرعية على وجوب برهم به، ويحافظ على نعمة الطعام خشية زوالها، ويتصدق على المحتاجين لتحصل البركة والزيادة في المال، ونحو هذا، وفي مقابل هذا كله تجده مثلاً: يتعامل بالربا والمحرمات لأنها تجلب له مالاً وفيراً، ولا يُصلي الفجر في وقتها لأن في الاستيقاظ لها مشقة، ويسعى ليعمل أبناؤه وبناته في عمل عالي الدخل ولو كان يضرهم في دينهم، ويوالي عدوَّ ربِّه ليدفع ضرراً، ويعادي أولياء مولاه ليجلب نفعاً.

إن هذا التديّن الانتقائي خلاف ما أمر الله به المؤمنين، حين قال سبحانه: ﴿يا أَيهَا ٱلَّذِين ءَامَنُوا ٱدخُلُوا فِی ٱلسِّلمِ كَاۤفَّة﴾، قال السعدي:هذا أمرٌ من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا ﴿فِي السِّلْمِ كَافَّةًأي: في جميع شرائع الدين، ولا يتركوا منها شيئاً، وألاّ يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه، إن وافق الأمر المشروع هواه فعله، وإن خالفه تركه، بل الواجب أن يكون الهوى تبعاً للدين، وأن يفعل كل ما يقدر عليه من أفعال الخير، وما يعجز عنه يلتزمه وينويه، فيدركه بنيته“.

وقد أوجب الله سبحانه الإستقامة على دينه كما أمر، لا كما نريد ونحب، فقال: ﴿فَٱستَقِم كَمَاۤ أُمِرتَ﴾ قال الشوكاني: “ما أعْظَمَ مَوْقِعَ هَذِهِ الآيَةِ وأشَدَّ أمْرَها، فَإنَّ الِاسْتِقامَةَ كَما أمَرَ اللَّهُ لا تَقُومُ بِها إلّا الأنْفُسُ المُطَهَّرَةُ والذَّواتُ المُقَدَّسَةُ“. وقال ابن كثير: “إِذَا حَكَمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِشَيْءٍ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهُ وَلَا اخْتِيَارَ لِأَحَدٍ هَاهُنَا، وَلَا رَأْيَ وَلَا قَوْلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾”.

إنّ في إخضاع الدين للرغبات الشخصية وهوى النفس، استعلاء على الشريعة، وتكبراً عليها، كما قال تعالى: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾، قال ابن القيم: “ولا تجوز أن تكون الشرائع تابعة للشهوات، إذ لو كان الشرع تابعاً للهوى والشهوة لكان في الطِّباع ما يُغني عنه، وكانت شهوة كل أحد وهواه شرعاً له، ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾”.

إن أصحاب التديّن المصلحي يلتزمون بأحكام الدين متى كانت – أولاً- موافقة لأهوائهم، فإذا كان حُكم شرعي ما، يُحقق لهم مصالحهم، اتبعوه وأخذوا به، وإن كان لا يحقق ذلك أو فيه مشقة، نبذوه وراء ظهورهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِن يكُن لَّهُمُ ٱلحَقُّ يأتُوۤا إِلَيه مُذعِنِينَ﴾، قال السعدي: “﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِأي: إلى حكم الشرع ﴿مُذْعِنِينَوليس ذلك لأجل أنه حكمٌ شرعي، وإنما ذلك لأجل موافقة أهوائهم، فليسوا ممدوحين في هذه الحال، ولو أتوا إليه مذعنين، لأن العبد حقيقة، من يتّبع الحقَ فيما يُحب ويكره، وفيما يسرّه ويحزنه، وأما الذي يتّبع الشرع عند موافقة هواه، وينبذه عند مخالفته، ويقدم الهوى على الشرع، فليس بعبدٍ على الحقيقة“.

ولو فقه أصحاب التدين الإنتقائي حقيقة دينهم؛ لعلموا أن الخيرَ -كل الخير- في اتباع ما فرض الله عليهم، سواء رأوا أنه يحقق مصالحهم أم لا، وسواء كان فيه مشقة أم لا، فإن الله تعالى لم يَشْرَع لنا الإسلام لنشقى: ﴿مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾، وما جعل لنا في الدين من حرج، بل جعل مصالح الناس كلها في اتباع شرعه، قال ظُهَيرِ بنِ رافعٍ رضي الله عنه: “إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهانا عن أمرٍ كانَ لنا نافعًا، وطَواعيةُ اللهِ ورَسولِه أنفَعُ لنا” رواه مسلم. قال الشاطبي: “إنه قد عُلِم بالتجارب والعادات أن المصالح الدينية والدنيوية، لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى، والمشي مع الأغراض“. وقال ابن القيم: “فاللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَّقَ سَعادَةَ الدّارَيْنِ بِمُتابَعَتِهِ، وجَعَلَ شَقاوَةَ الدّارَيْنِ في مُخالَفَتِهِ“.

يجدر التنبيه ههنا، أنه لا يقال لأصحاب التدين المصلحي، أنه لا فائدة من الطاعات التي تفعلونها. بل يُقال لهم أن الواجب عليكم الاستمرار والمحافظة عليها، وأن تكون ابتغاء مرضاة الله تعالى، وطلباً لجنته، ويُقال لهم أيضاً: إن الواجب عليكم أن تعملوا بأحكام الدين كافة بقلوب راضية، ونفوسٍ مطمئنة، ويكون حالكم كحال من قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.

3 تعليقات

لا توجد أراء حول “الاختيارات المفضلة”
  1. كلام جميل و متزن
    الدين فيه الفرض و فيه النفل
    فيه الواجب و فيه التطوع
    ولا قيمة للنفل في حال تضييع النفل
    (وما تقرب أليّ عبدي بأحب إليّ مما افترضته عليه ولا زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل …)
    فالدين أولويات وبالتالي فطاعة الله أولويات والجميع يبحث عما يرضي الله عنه ويحبه وما حرص عبد على الفرائض من الطاعات إلا هانت عليه النوافل منها وأصبحت ديدنه يحاسب نفسه على التفريط فيها.

    شكر الله لك أخانا منصور ما خطه قلمك ونفع به

  2. كلام رائع وجميل
    المهم ان لا يشرع الإنسان لاخطائه بحجة ان الزمن تغير ومتطلبات العصر
    اما الخطأ من كل إنسان فوارد
    بل هو طبيعة النفس البشرية

    وخير الخطائين التوابون

اترك تعليقاً