مُدَوّنة منصور بن محمد المقرن

لا تعليق

هل إحساسُك برائحة عطرك، أوّل ما تتعطَّر به، هو نفسه بعد حين؟ في الأغلب، يقلُّ الإحساس بالعطر بعد فترة، ثم مع الأيام لن تجد شذى عطرك. هذه الحالة المعتادة تحدث معنا في حالات أخرى؛ فنحن نفرح عند أول حدوث نعمة لنا، كالزواج والوظيفة والمولود، ثم مع مرور الأيام والسنين تخبو مشاعر الفرح والإحساس بالنعمة.

إلا أن أعظم نعمةٍ، وأجمل فرح، ينبغي أن نستشعره دائما وألا يغيب عنّا؛ هو فرحي وفرحك بأننا مسلمون ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.

وهنا يلوح السؤال المهم:  كيف يمكنني تجديد شعوري واعتزازي بأني مسلم، مهما طال الزمن، وحتى لو كانت أحوالي مؤلمة، أو حال أمتي -أمة الإسلام- بائساً؟.

لعل من أنجع الطرق أن تتأمل وتنظر -في كل حين- إلى مكوِّنات دينك وإلى أثرها في حياتك، لترى جمال دينك وروعته وعظيم محاسنه، والبون الشاسع بينه وبين الأديان والملل الأخرى. ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾.

فلنمضِ سوياً نتذكر بعضاً من ملامح جمال ديننا، ليتجدد فرحنا واعتزازنا بإسلامنا:

دينُك أخي الموفق .. دينٌ يُجيبك بعلمٍ وبصدقٍ عمَّا يُسمى بالأسئلة الوجودية: (من أنا؟ ولماذا خُلقت؟ وإلى أين أذهب؟)، فتطمئن روحك وتهدأ نفسك، ويصفو ذهنك، فتتفرغ جوارحك للارتقاء بإيمانك، وأداء دورك في عمارة الأرض، وتعلم أنك لست كأحدٍ من شعوب الأرض غير المسلمة التي لسان حال كل فردٍ منها يقول:

جِئتُ لا أَعلَمُ مِن أَينَ وَلكِنّي أَتَيتُ    *** وَلَقَد أَبصَرتُ قُدّامي طَريقاً فَمَشَيتُ
وَسَأَبقى ماشِياً إِن شِئتُ هذا أَم أَبَيتُ ***  كَيْفَ جِئتُ؟ كَيْفَ أَبصَرتُ طَريقي؟ لَستُ أَدري

أَلِهذا اللُغزُ حَلٌّ أَم سَيَبقى أَبَدِيّا؟       ***  لَستُ أَدري، وَلِماذا لَستُ أَدري؟ لَستُ أَدري

دينُك .. دينٌ يُوسِّع أفقك، ويُعمِّق نظرتك إلى الحياة، ويقول لك: ليست نهاية الحياة الدنيا مجهولة، ينجو فيها الظلمة والطغاة بلا حساب ولا عقاب، ويرحل عنها الطيبون الصالحون بلا عِوض وتكريم على صبرهم وإيمانهم، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾.

دينُك .. دينٌ يُخبرك عن القضاء والقدر، وكيف تتعامل مع الأحداث التي تقع عليك، أو على غيرك، أو على العالم بأسره، ويصف لك الدواء الشافي حال الضراء، وما ينبغي عليك حال السراء، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.

دينُك .. دينٌ يُحرِّرُك من تخويف المستبدين، وإرجاف المنافقين، ووعود الشياطين، فيدعوك لأن تأوي إلى ركن شديد، وتتفيأ ظلال رحمة سيدك ومولاك، وتنعم بقربه ومعيَّته ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾.

دينُك .. دينٌ يُخبرك عن الكون من حولك، وأنه مّسخرٌ لك؛ فتتآلف معه ولا تُعاديه، وتستمتع به ولا تُجافيه، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾.

دينُك .. دينٌ يُعرّفك بإلهك الحق ويقوي صلتك به، فيُعلِّمك أسماء ربك العظيم، لتدعوه وتناجيه بها، فيطمئن قلبك، وتهدأ نفسك. ويُعلّمك صفاتِ ربك لتعرف ماذا يُحب سبحانه وماذا يكره، ومتى يرضى ومتى يغضب، فتعبده على بصيرة وطمأنينة، وتعلم قربه منك ورقابته عليك، وتعلم أنه حيٌّ لا يموت ولا ينام، وأن بيده حياتك وموتك ورزقك ومقاليد أمورك، وأنه لا يعجزه شيء مهما عظم في عينك، فتشعر أنك تأوي إلى ركن شديد فتُسَلِّم له نفسك وإراداتك وهمومك، طائعاً فرحاً مطمئناً. أما أهل الأديان الأخرى فالواحد منهم يعبد إلهاً من حجر أو شجر أو كوكب يخضع له ويقدم له القرابين، ولا يعرف هل رضي عنه أم غضب، ولا يدري هل سمعه أم لا، وهل يقدر على تحقيق مطالبه أم لا ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، وقد يعبد أحدهم آلهة متعددة، فهو حائر بينها ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾.

دينُك .. دينٌ أتى به رسولٌ أرسله ربُّك رحمة للعالمين، وجعله بشراً مثلنا، يعيش كما نعيش، ويألم كما نألم، ويمرض كما نمرض، ويحزن كما نحزن، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾، ليكون هو وسيرته قدوة لنا، فلا نستصعب أمراً، ولا نغشى نهياً، لأن الذي أمرنا ونهانا بشرٌ مثلنا. أما غيرنا من الأمم، فهم إما يؤلهون رسولهم، وإما ينتقصونه، وإما لا يتبعون رسولا أصلاً.

دينُك .. دينٌ له كتاب فيه كلام ربك وخالقك، تبيانٌ لكل ما تحتاجه أنت وأسرتك ومجتمعك والعالم من حولك. وقد حفظه الله من التبديل والتحريف، ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فإذا تلوتَه اطمأن قلبك، وإذا سمعته انشرح صدرك، وإذا عملت به تيسَّر أمرك، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. أما أهل الأديان الأخرى فبعضهم لديهم كتاب سماوي ولكنه محرف فلا ينتفعون به، وبعضهم لديهم كتاب وضعه بشر مثلهم، فلا يغني عنهم شيئاً.

دينُك .. دينٌ يُبصرك بكيفية التعامل مع الآخرين مهما اختلفوا، ومهما قربوا أو بعدوا. ويُعلِّمُك كيف تختار زوجتك، وتبني أسرتك، وتربي ذريتك.

أما شعوب الأديان الأخرى، فليس عندها دين ينظم علاقتهم بعضهم ببعض .. فهي شعوب تُؤلِّه المال باسم الرفاه ومتانة الاقتصاد، فلأجله يبيع الرجل مبادئه، وتترك المرأة بيتها، وتستثقل ولدها، فتنحرف الأجيال، ويفشو القلق، وتتناحر الطبقات. شعوبٌ تجعل الغاية من الخلق الاستمتاع بالحياة بأي صورة كانت، ولو كانت كحياة البهائم.

ختاماً .. فإن تذكرك وتفكرك -كل حين وآنٍ- بهذه النِّعم التي ترفل بها، ومقارنة حالك  بأحوال أهل الأديان الأخرى، يجعل قلبك يفيض بتعظيم المنعم سبحانه وحُبِّه، ويجعل لسانك رطبا بذكره، وجوارحك عاملة على شكره، وحينئذ –وحينئذ فقط- تسعد بحياتك، ويبقى شذى عطرك تشمه أنت ومن حولك، لا يُذهبه الزمن، ولا يُفسده الألم.

لا تعليق

اترك تعليقاً