تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدونة مفاهيم

الشماتة بإصحاب الفكر الضال

لا تعليق

عند كل نجاح أمني ضد الفئة الضالة تسمع وتقرأ كلاماً من بعض الناس فيه شماتة بتلك الفئة ووصف لهم بأقذع الأوصاف وأشنعها * ، ولأن المسلم مأمور بأن تكون أقواله وأفعاله موافقة لدينه أينما اتجهت ركائبة ويدور معه حيث استقلت مضاربه ، فإن الأسطر التالية توضح أبرز المعالم التي يحسن بالمسلم تذكرها عند الحديث عن أفراد تلك الفئة ونحوهم :

  • ينبغي –أولاً- أن يحمد المرء الله جل وعلا أن حفظه من الـتأثر بفكر تلك الفئة فضلاً عن مشاركتهم في أعمالهم ، فإن الهداية التي يتمتع بها أهل الحق والبصيرة والتي يميزون فيها بين صلاح العمل أو فساده هي منحة ربانية وهبة إلهية نالوها بلا حول منهم ولا قوة . قال ابن القيم تعليقاً على قول الله تعالى في وصف عباده المؤمنين : “وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ7 : الحجرات . يقول سبحانه: لم تكن محبتكم للإيمان وإرادتكم له ، وتزيـينه في قلوبكم منكم ، ولكن الله هو الذي جعله في قلوبكم كذلك ، فآثرتموه ورضيتموه .
  • كما أن المسلم لا يملك الثبات على تلك الهداية إلا بتـثبيت الله عز وجل له ، فأصحاب القلوب اليقظة يخشون على إيمانـهم أن يُسلب في لحظة غفلة عن القلب أو عُجب بالنفس ؛ فـفي الحديث “إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاءرواه الترمذي ، وقد امتن الله سبحانه على نبيه بتـثبيته على الحق فقال : “وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا 74 : الإسراء . واستقر هذا المعنى الجليل عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان أكثر دعائه : “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينكرواه أحمد والترمذي .

وكان أبو هريرة يقول في آخر حياته: (اللهم إني أعوذ بك أن أزني أو أعمل كبيرة في الإسلام)، فقال له بعض أصحابه: يا أبا هريرة ومثلك يقول هذا أو يخافه وقد بلغت من السن ما بلغت وانقطعت عنك الشهوات، وقد شافهت النبي وبايعته وأخذت عنه، قال: (ويحك، وما يؤمنني وإبليس حي).

ودخل جبير بن نفير على أبي الدرداء منزله بحمص فإذا هو قائم يصلي في مسجده ، فلما جلس يتشهد جعل يتعوذ بالله من النفاق ، فلما انصرف ، قال جبير : غفر الله لك يا أبا الدرداء ! ما أنت والنفاق؟ قال : اللهم غفراً – ثلاثاً – من يأمن البلاء ؟ من يأمن البلاء ؟ والله إن الرجل ليفتـتن في ساعة فينقلب عن دينه .

وقال إدريس الخولاني : ما على وجه الأرض من بشر لا يخاف على إيمانه أن يذهب إلا ذهب .

قال ابن القيم في نونيته:

لو شاء ربك كنت أيضاً مثلهم         فالقلب بين أصابع الرحمن

  • نهى الشارع الحكيم عن الشماتة بالعصاة لما فيها من تزكية النفس والركون إليها ، فحينما جيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم برجل يشرب الخمر ليقام عليه الحد وقد جُلد فيها مرات ، قال رجل : اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به . فقال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏: “‏لا تلعنوه” رواه البخاري ، ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : “لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ‏ ‏ويـبتليك” رواه الترمذي . وقد امتـثل ابن مسعود رضي الله عنه بهذا التوجيه النبوي أيما امتـثال فكان يقول : ” والله لو سخرت بكلب، لخشيت أن يحولني الله كلباً ” . ‏
  • قد كان بعض أفراد تلك الفئة في حال من التقوى والإيمان والعمل الصالح ثم انتكسوا وتغيرت أحوالهم ، فـفي مقابلة صحفية وصف أب مكلوم ابنه الذي قام بأحد الاعتداءات الآثـمة بأنه : شاب متدين وكان مضرب مثل في استقامته وصلاحه إلى درجة أن شباب الجيران لا يمكن أن يذهبوا للتـنزه خارج الرياض إلا بوجوده، فهو مطيع وخدوم وحيائي ، وكان يؤذن في مسجد الحي الذي نسكنه وأحيانا يؤم المصلين ، وكان في رمضان يقف عند إشارة المرور قبل الإفطار بدقائق لإطعام الصائمين. وتساءل الأب: إنني مندهش كيف حدث هذا التحول الغريب في حياته. فاللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتـنا .

إن تلك الأحوال التي كان عليها ذلك الشاب قبل انـتكاسته قد تكون أفضل بكثير من حال الشامتين به الآن .. فليحذروا .

  • إن الشامتين بأصحاب الفكر الضال يزيدون مُصاب أهليهم مُصاباً ، وغمومهم غماً ، وهمومهم هـمَاً ، بشماتـتهم بأبنائهم وأقاربهم وهم بريئون من جريرتهم ؛ فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى .

تأمل – رعاك المولى- شدة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بمشاعر أقارب العاصي ولو كان كافراً ، فلما أسلم عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه كان المسلمون يقولون‏:‏ هذا ابن عدو الله أبي جهل‏!‏ فساءه ذلك، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه‏:‏ ‏”‏لا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي‏”‏‏.‏ ونهاهم أن يقولوا‏:‏ عكرمة بن أبي جهل .

وختاماً .. فإن أكثر من اكتوى بنار أصحاب ذلك الفكر الضال ونالهم أذاهم هم رجال الأمن في وزارة الداخلية ، ومع ذلك فقد حافظت الوزارة – ولا تـزال – على اتـزانـها في تسميتها لهم ؛ فلم تصفهم رغم طول معاناتها معهم إلا بوصف (الفئة الضالة) ، ولم تـتضمن بياناتـها أي عبارة جارحة أو كلمة نابـية في حقهم ؛ تـمشياً مع آداب الدين وحفاظاً على مشاعر أقاربـهم ، فهل يكون أولئك الشامتون أكثر حرصاً وأعظم غيرة من وزارة الداخلية نفسها ؟ أفلا يسعهم ما وسع قيادتـهم من الحكمة والأناة وعفة اللسان والقلم ؟

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتـنابه ، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل .

*  نشر بتاريخ 20/11/1430 هـ

* ومثل ذلك عند تنفيذ حد من حدود الله في أحد المسلمين

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *