مُدَوّنة منصور بن محمد المقرن

لا تعليق

واعدت صديقاتها في مقهى عام، ثم خرجت بزينةٍ، ووجهٍ كسَتهُ بألوانٍ تجذبُ أعشى البصر، ووضعت عِطراً يَشمُّ شذاه مَن به زكام. ولأن المقهى في حيّها؛ مشت إليه وحدها عبر شوارع شِبه مظلمة، فقد رأت أن مشيتها الواثقة، كافيةٌ لإبعاد أي تحرُّشٍ بها أو أذى … وصلت، والتقت بصديقاتها، وحالُ كلِّ واحدةٍ يقول للأخرى: أنا أكثرُ منكِ جمالاً وأحسنُ شكلاً. ثم تحدثن، وضحكن، وكأنهن وحدهن.

بعضُ الرجال في المقهى تركوا مشاهدة مباراة كرة قدم، وبدأوا مباراةَ عيونٍ وابتساماتٍ معهن. لكن لسان حالِ الفتيات يقول لكل شاب يضعف ولا يغض بصره: سنُظهِر جمالَنا، وليس لك الحقُ أن تنظر إلينا، واذا نظرتَ فليس لك الحق أن تُكلِّمنا، واذا كلّمتنا فليس لك الحق أن تسيء الأدب معنا.

هؤلاء الفتيات جعلنَ الشباب – والرجال عموماً – في مواقف صعبةٍ للغاية، يواجه الواحد فيها أحكام دينه، ورقابة مولاه وخشيته، ويجاهد فيها مروءته وعِفّتَه.

هؤلاء الفتيات تناسين أنهن نساء، وأن الله قد فطرَ الرجالَ على محبةِ النساء، والانجذاب لهن، والتعلّق بهن، ليطلبوا وصالهن بالزواج فتسكن أرواحهم، وتعمر الأرض بذرياتهم، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾.

وهؤلاء الفتيات لا يعرفن أنّ أشدَّ فتنةٍ تمر على الرجال هي فتنة النساء، وأنها أعظم من فتنة المال والجاه، ففي الحديث: (ما تركتُ بعدي فتنةً أَضَرّ على الرجالِ من النساءِ) متفق عليه.

فيا أيتها الفتاة! ألا ترين أنه لأجل حماية الناس؛ يُكتب على شاحنات الوقود: (خطر. سريع الاشتعال. اترك مسافة)؟، فمن أجل حماية الرجال، وحماية دينك؛ اتركي بحيائك وسترك مسافةً بينك وبين الرجال، فإنه لا يُمكن أن تخبو نارٌ يُصبُ عليها الوقود.

تذكري أن زينتك، ولباسك، وكلامك، ليست مجرّد سلوكٍ عابرٍ، ومظهرٍ جميلٍ تقابلين به صديقاتِك، بل هي مصائدُ وشباك تُلقينها على الرجال.

تريثي .. وانظري ماذا تفعلين بمن حولك، تصوّري الأثرَ الضار الذي تُحدثينه عند الرجال. لو رأيتِ مالاً يسقط من أحدهم؛ فلن تأخذيه مهما بلغ؛ لأنك تأنفين من السرقة وتخشين عقوبتها، لكنك قد تسرقين عند كثير من الرجال -الذين عصوا ربهم أمام زينتك- ما هو أهم بكثير، وأغلى بكثير من المال؛ قد تسرقين – بزينتك وفتنتك – خشيتَهم من ربهم، وقناعتهم، وقد تسرقين سعادتهم مع زوجاتهم وأهليهم، وسعادتهم مع ذواتهم.

فيا أيها الفتاة! لا تتجاهلي أنوثتك، ولا تتعامي عن حقيقةٍ أنك بملابسك وزينتك ومظهرك المثير، جاذبةٌ للرجال، مُفسدةٌ لدين وأخلاق كثيرٍ منهم، فـفطرةُ الله باقية، ولن يُغيّرها تجاهل، ولن تُلغيها مكابرة. كان عند رجلٍ كيسُ سُكّرٍ، فخشي عليه النمل، فكتب عليه: (مِلح). فهل تتوقعين أن النمل لن يأتيه؟

هذا الحديث معكِ إن كنتِ غافلةً عمّا يسببه تبرجك، ولا تتعمدين فتنة الرجال. أما إن كنتِ تقصدين فتنتهم وإثارتهم و (خرفنتهم) كما يُقال؛ فما أشنع ما تقومين به، وما أسوأ ما تفعلين! فأنتِ بهذا ترتكبين إثم التبرج، وإثم قصدِ إضلال وفتنة الرجال، وإن كان هذا لا يعفيهم من وجوب غض أبصارهم. فكيف تقابلين ربكِ ومولاكِ يوم القيامة، إن جئت بذنوب تبرجك، وذنوب مَن أفسدتِه بتبرجك؟ قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. وإذا كان الله سبحانه قد توعّد من أحبّ (فقط) أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ فكيف بوعيده وعذابه بمن زاد على محبته فعله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنيَا وَٱلأخِرَةِ﴾.

رزقك الله توبةً تغفر لكِ كلَّ ما سلف، وملأ قلبكِ حُبّاً وطاعة له سبحانه، ووهبكِ أعالي الجنان حيث لا موت، ولا مرض، ولا حزن.   

لا تعليق

اترك تعليقاً