مُدَوّنة منصور بن محمد المقرن

1 تعليقات

لا أحد يُريد أن يكون فقيراً، فمعاناة الفقر مؤلمة لا حَدَّ لها، ويكفي لبيان ذلك؛ أنه قد وردت أحاديث بالاستعاذة من الفقر، إلا أن هناك فقراً لا يُخشى، بل يُطلب ويُرجى، ويَسعدُ الـمُتحلِّي بِه ويَرضى، ألا وهو الفقرُ والافتقارُ إلى الخالق سبحانه، والذي يعني انكسار القلب لله تعالى، وتمام التذلل له، والعلم بعظيم الحاجة إليه، واستحالة الاستغناء عنه ولو طرفة عين. ومنشأ هذه الحالة الإيمانية المحبوبة إلى الله تعالى: معرفةُ عظمته سبحانه، واستشعار أفضاله، ورؤية التقصير في حقه عز وجل.

فَنَحنُ الفُقَرَاءُ إلى الله؛ لأن الله تعالى وصفنا بذلك، فقال وقوله الحق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد﴾.

ونحن الفقراء إلى الله؛ لأنه لاربَّ لنا سواه، تقدَّس وتعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

ونحن الفقراء إلى الله؛ لأنه الخالق المحيي المميت سبحانه، خلقنا، ومتى ما شاء أماتنا ثم يُحيينا، وليس ذلك لأحدٍ سواه، كما قال خليله إبراهيم عنه: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾.

ونحن الفقراء إلى الله؛ لأنه القوي سبحانه، يُمسك السماء أن تقع علينا، والأرض أن تميد بنا: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾.

ونحن الفقراء إلى الله؛ لأنه القدير سبحانه، يُدبِّر أمرَ الكونِ والأفلاك، فلو اختلَّ نظامُها لفسدت معايشنا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾.

ونحن الفقراء إلى الله؛ لأنه السميع البصير سبحانه، وهبَ لنا السمع والأبصار والأفئدة، وإن شاء سلبها مِنَّا:  ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهَِ﴾.

ونحن الفقراء إلى الله؛ لأنه القيّوم المنعم سبحانه، القائم على مصالحنا ومعاشنا وكلِّ أحوالنا: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، وكلُّ نعمةٍ نتقلب فيها فهي مِنه وحده عز وجل: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ الله﴾.

ونحن الفقراء إلى الله؛ لأنه الحفيظ الحافظ سبحانه، يحفظنا من الشرور: ﴿فاللهُ خَيرٌ حَافِظاً﴾، وسخّر لنا بفضله ملائكةً يحفظوننا: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾.

ونحن الفقراء إلى الله؛ لأنه الرازق وحده سبحانه، رزقنا الهداية والطمأنينة والأهل والمال والولد، وغيرها كثير، وليس رزقُنا عند أحدٍ سواه، فالبشر كلهم وسطاء لإيصال رزق الله لنا، ولا يملكون منعه أو بقاءه، فضلاً عن زيادته: ﴿أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾.

ونحن الفقراء إلى الله؛ لأنه الشافي سبحانه، يشفينا إذا مرضنا، كما قال خليله إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، ولولا رحمته لاستمر بنا المرض، وكثرت أسقامنا.

ونحن الفقراء إلى الله؛ لأنه الوكيل الكافي سبحانه، فبه نثق، وإليه نسكن، وعليه نتوكل، فنبرأ من حولنا وقوتنا، ونقطع تعلقنا بغيره: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾.

ونحن الفقراء إلى الله؛ لأنه الهادي سبحانه، هدانا إلى دينه الحق، وبيده وحده ثباتنا عليه حتى نلقاه: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ، أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى، فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تحكمون﴾.

ونحن الفقراء إلى الله؛ لأنه الرحمن الرحيم سبحانه، يرى اضطرارنا، ويعلم حاجتنا، ويسمع دعاءنا؛ فيكشف ما بنا: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾.

ونحن الفقراء إلى الله؛ لأنه العفو الكريم سبحانه، إليه مردّنا ومرجعنا، وسنقف بين يديه، ثُمَّ المصيرُ إلى جنةٍ أو نار، فنتعلق برحمته، ونتشبث بعفوه، أن يتقبل أعمالنا، ويغفر لنا خطايانا: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.

وختاماً .. فإنَّ مَن أظهرَ لربه ومولاه فقرَه وذُله وحاجتَه؛ أعزّه تعالى وشرحَ صدرَه، وأغناهُ عمّن سواه، ومَن لم يُظهر ذلك له سبحانه، فإنه سيُظهر –ولا بُدَّ- فقره وذُله وحاجته لعبدٍ فقيرٍ مثلِه، فيبيع مبادئه له ليعطيه، ويُطيعه في فساده ليجزيه، ويجاريه في ظلمه ليكافيه، فيعيش ذليلاً مُهاناً: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾.

قال ابن القيم: “كُل من امتنع أن يَذِل لله، أو يبذل ماله في مرضاته، أو يتعب نفسه وبدنه في طاعته؛ لابد أن يَذِل لمن لا يسوى، ويبذل له ماله، ويُتعبُ نفسَه وبدنَه في طاعته ومرضاته عقوبة له“.

1 تعليقات

فكرة واحدة بخصوص “لماذا نحنُ فُقراء؟!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *