13 تعليقات
القارئ الكريم .. كم مرّةً قرأت هذه العبارات التي وصفها كُتّابها بأنها مفاتيحُ السعادة وأساسُها في الحياة:
“عِش اللحظة“، “انسَ الماضي“، “أسعد نفسك“، “لا تحمل حقداً“، “كن طيباً وصادقاً“، “أحسن الظن بالجميع“، “سامح وتجاوز“، “لا تنشغل بالمستقبل“، “ساعد الآخرين“، ونحوها كثيرٌ كثير.
من الملاحظ أن هذه الوصفات تُركز على الأخلاق الفاضلة وتشجع على التحلي بها. فهل هذه الوصفات تجلب السعادة حقاً؟
مما لا شك فيه أن التحلي بالأخلاق الفاضلة واجب ديني، ومطلبٌ اجتماعي، لكونها تُسهم في تعزيز العلاقات مع الآخرين، وتوجد بيئة يسودها اللطف والاحترام المتبادل، إلا أن اعتبارها الوسيلة الوحيدة الناجحة لجلب السعادة، مجانب للحقيقة وخاصة إذا لم تربط بالتعبد لله بها، وبطاعة الله تعالى؛ فإن أصحاب الديانات الأخرى ومجتمعاتها، كالبوذية ونحوها، لم تجلب لهم دياناتهم وما فيها من دعوة لبعض الأخلاق الطيبة السعادة المنشودة.
وهناك فريق آخر يرى أن السعادة تحصل بتحقق أمورٍ ماديّة كالزواج والولد والوظيفة والمال والجاه، لكن المتأمل فيها يجد أنها قد تأتي على خلاف ذلك؛ فالزواج قد يصبح تعاسة، والولد قد يكون عاقاً، والوظيفة قد تكون وبالاً وشقاء.
ومَن نظر في نصوص الوحيين؛ وجد أن منبع السعادة الحقَّة وأصلها هو انشراح الصدر، وهو مِن الله تعالى، لا يملكه أحدٌ سواه، فيهبه لمن أطاعه، واتبع رضاه، سواء كانت أحواله من حوله مبهجة أو مؤلمة، وسواء كان غنياً أو فقيراً، صحيحاً أو مريضاً، حُرَّاً طليقاً أم سجيناً، ويُحرَم منه مَن عصاه، ولو كان أغنى الناس، وأكثرهم جَاهاً وصِيتاً، وخَدَماً وعبيداً، قال الله تعالى ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا، وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فإذا أنزل الله رحمته على أحدٍ شرح صدره فأسعده ؛ فلا يستطيع أحدٌ من العبيد الضعفاء أن يحجبها عنه، وإذا أمسك سبحانه رحمته عن أحدٍ بسبب غفلته ومعصيته؛ فلن يُوصِلها إليه أحدٌ مهما أوتي من قوة وجاه ومال.
فمَن آثر الحياة الدنيا، فكانت أكبر همِّه ومبلغ علمه، وغفل عن طاعة ربه؛ حُرِم السعادة، ولم ينفعه جميل تعامله مع الخلق، إذا كان قد أساء العلاقة مع الخالق، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي، فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، قال ابن كثير: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا، فَلَا طُمَأْنِينَةَ لَهُ، وَلَا انْشِرَاحَ لِصَدْرِهِ، بَلْ صَدْرُهُ ضَيِّقٌ حَرَج لِضَلَالِهِ، وَإِنْ تَنَعَّم ظَاهِرُهُ، وَلَبِسَ مَا شَاءَ وَأَكَلَ مَا شَاءَ، وَسَكَنَ حَيْثُ شَاءَ، فَإِنَّ قلبه مَا لَمْ يَخْلُصْ إِلَى الْيَقِينِ وَالْهُدَى، فَهُوَ فِي قَلَقٍ وَحَيْرَةٍ وَشَكٍّ، فَلَا يَزَالُ فِي رِيبَةٍ يَتَرَدَّد“. وقال ابن القيم: “إنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ، فَلَهُ مِن ضِيقِ الصَّدْرِ، ونَكَدِ العَيْشِ، وكَثْرَةِ الخَوْفِ، وشِدَّةِ الحِرْصِ والتَّعَبِ عَلى الدُّنْيا، والتَّحَسُّرِ عَلى فَواتِها قَبْلَ حُصُولِها وبَعْدَ حُصُولِها، والآلامِ الَّتِي في خِلالِ ذَلِكَ ما لا يَشْعُرُ بِهِ القَلْبُ، لِسَكْرَتِهِ، وانْغِماسِهِ في السُّكْرِ، فَهو لا يَصْحُو ساعَةً إلّا أحَسَّ وشَعَرَ بِهَذا الألَمِ، فَبادَرَ إلى إزالَتِهِ بِسُكْرٍ ثانٍ، فَهو هَكَذا مُدَّةَ حَيّاتِهِ، وأيُّ عِيشَةٍ أضْيَقُ مِن هَذِهِ لَوْ كانَ لِلْقَلْبِ شُعُورٌ؟“، وقال: “فَقُلُوبُ أهْلِ البِدَعِ، والمُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ، وأهْلِ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ، وأهْلِ المَعاصِي في جَحِيمٍ قَبْلَ الجَحِيمِ الأكْبَرِ، وقُلُوبُ الأبْرارِ في نَعِيمٍ قَبْلَ النَّعِيمِ الأكْبَرِ“.
ويوضح ابن عاشور عند قول الله تعالى ﴿أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾، أسباب سعادة المؤمن وانشراح صدره فيقول: “تَعالِيمَ الإسْلامِ وأخْلاقَهُ وآدابَهُ، تُكْسِبُ المُسْلِمَ فَرَحًا بِحالِهِ ومَسَرَّةً بِرِضى رَبِّهِ، واسْتِخْفافًا لِلْمَصائِبِ والكَوارِثِ، لِجَزْمِهِ بِأنَّهُ عَلى حَقٍّ في أمْرِهِ، وأنَّهُ مُثابٌ عَلى ضُرِّهِ، وأنَّهُ راجٍ رَحْمَةَ رَبِّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولِعَدَمِ مُخالَطَةِ الشَّكِّ والحَيْرَةِ ضَمِيرَهُ“.
وختاماً .. فإن الله تعالى اللطيف بعباده، الرحيم بهم، لم يكن ليجعل السعادة – وهي مبتغى الخلق كلهم، وأقصى أمانيهم – غايةً هلاميةً لا يعرف العباد معالمها ووسائل تحقيقها، ولم يكن سبحانه ليجعلها بعيدة المنال، لا يصل إليها إلا القليل، ولا ليربط حصولها بأمور مادية بحتة لا يستطيع أغلب الخلق تحقيقها، بل حدد سبحانه معالمها ووسائل تحقيقها، وجعلها بكرمه وعدله قريبة لكل من اقترب منه وأطاعه، فهي متاحة لكل من أرادها، وصدق في طلبها، مهما كانت أحواله وحاله.
13 تعليقات

بوركت
يقول ابن تيمية رحمه الله (جنتي في صدرى)
وهذه هي السعادة التي تطفوا على كل مايمر به الإنسان من مكدرات فلا تؤثر به.
السلام عليكم ورحمة الله
جزاك الله خير شيخنا الفاضل، ونفع بك وبعلمك وفهمك،
الذي ذكرتموه حفظكم الله في البداية من وصفات السعادة هي في الحقيقة كذلك ولكنها نتائج او تعاملات وممارسات ناتجة عن إنشراح الصدر الذي يحدث بسبب الطاعة والالتزام بالشريعة على الوسع والطاقة، والتقوى.
لذلك المطلوب ممارسة هذه الوصفات على أساس متين تجعل صاحبها محتسبًا لايرجوا جزاءًً من بشر، صابرًا راضيًا محسن الظن،… الخ.
من قام بهذه الوصفات بدون تأسيس قد لايستمر إذا واجه جحود او شدة او تعثرات او مصائب.
والله تعالى أعلى وأعلم.
انار الله بصرك وبصيرتك حيث احلت أن السعادة الحقيقية هي الارتباط بالدين وشرائعه مع الاخذ بالوسائل المعينه التي ذكرتها عن من جمعها
جعل الله ما تطرح من فوائد لتثقيف المجتمع في ميزان حسناتك
اعانك الله وسددك
السعادة انشراح الصدر وطمأنينة القلب
السعادة لا ترتبط بالمال أو الماديات وحدها
بل تشمل غنى النفس والرضا بما قسمه الله.
جزاك الله خيراً يأبا محمد
بارك الله فيك ورفع الله قدرك
وجعلنا وإياكم من السعداء دنيا وآخره
آمين وإياك يا الغالي
مقال مميز يحمل عمقًا في الطرح وجمالًا في الأسلوب.
يعكس فكرة واعيًه ومتمكنًه من إيصال المعنى بكل سلاسة.
بارك الله فيك ابا محمد وزادك علما
مقال جميل يختصر محددات السعادة في قالبها الصحيح جعلنا الله وإياكم من السعداء
اللهم آمين
جزيت خيرا
مقال رائع وإضافة متميزة للقارئ.
ممتن لمرورك
دمت موفقا
ولست أرى السعادة جمع مال
ولكن التقي هو السعيد
وتقوى الله خير الزاد ذخرا
وعند الله للأتقى مزيد
استشهاد موفق أبا فهد
دمت مسددا