مُدَوّنة منصور بن محمد المقرن

لا تعليق

رأوها ألقت خِمَارَها، وسارَت كاشفةً زينتَها، فشجَّعوها، وقالوا لها:

هذه حريتك الشخصية، فلا تسمحي لأحدٍ أن يُقيّدها ..

وهذه متعة الحياة، فلا تَدَعي أحداً يُفسدها ..

وهذه ظاهرةٌ اجتماعية، فلستِ وحدك، فلا تشذّي عنها ..

وهذا يتوافق مع وسطية الدين، وتعاليمه السمحة، فلا تسمعي لمتشددٍ يريد أن يُغيّرها.

فقالت لها صديقتها:

قولهم “هذه حريّتك الشخصية“، صحيح، فأنت تملكين كامل حُريتك، لكن، ألم تُقيّد حُريّتك -أيام دراستك- أنظمة التعليم فالتزمت بها. وقيّدت حُريّتك -أيام وظيفتك- أنظمة العمل فامتثلت لها، وربما كنتِ كارهة! بل قيّدت حُريّتك أعرافٌ نسائية فلم تُخالفيها؛ فأنت لا تستطيعين –مثلاً- أن تلبسي فستاناً أكثر من مرة لحفل زواج فيه نساء قد رأينه سابقاً. أمّا تقييد تبرجك بالتزامك بالحشمة والستر فهو تقييد من ربك الذي تُحبينه وتطلبين مرضاته وجنته، وإليه مرجعك.

أما قولهم “هذه متعة الحياة“، فيا عزيزتي .. لو فعلتِ ما يُغضب أمك وقريبتك وصديقتك، فهل ستشعرين بمتعة الحياة وهنَّ غاضبات عليك؟ وكذلك لا يمكن لفتاة أن تستمتع بالحياة المتعة الحقيقية الدائمة وهي تُغضب كل يوم – بتبرجها – ربها وخالقها وقد وهبها الجمال والصحة والمال فجعلته في معصيته. وتذكري مَن قال الله فيهم: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ  فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.    

وأما قولهم “هذه ظاهرةٌ اجتماعية، ولستِ وحدك“، فصحيح، لست وحدك المتبرجة، لكن هذا لا يعني أنك على صواب، بل حتى لو فرضنا جدلاً أن المتبرجات هن الأكثرية. فمعرفة الصواب لا يُؤخذ من فِعل الأكثرية بل بموافقته لشريعة ربنا تعالى، ولو تأملت آيات القرآن لوجدتِ أن لفظ (الأكثرية) لا يَرِد إلا في معرض الذم لهم، واقرأي قول الله تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقوله ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ، كما أن لفظ (الأقلية) لا يَرِد في القرآن إلا في معرض المدح، كما قال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وقوله ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾. وانظري – عزيزتي- إلى الواقع تجدين مصداق ذلك: فالمسلمون في العالم أقليَّة، وغيرهم هم الأكثرية.

وقولهم “هذا يتوافق مع وسطية الدين، وتعاليمه السمحة“، فلا شك أن الإسلام دينٌ وسطٌ بين الأديان، كما أن تعاليمه سمحة كلها، فالوسطية في الأحكام تعني أنه لا تشدد ورهبانية وغلو، ولا تفريط وتحلل منها،  وقد قيل في هذا: “الوسطية لا تعني أن تقف بين جماعتين، فقد تكونون ثلاثتكم في اليمين أو في الشمال. الوسطية حددها الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: (مِثلَ مَا أنَا عَليه اليَومَ وأصحَابي)”، فهل حال المتبرجات اليوم مثل حال الصحابيات؟  وإذا كان الله تعالى قد خاطب خير نساء الأمة وهُنَّ زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهن: ﴿وَلَا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ ٱلجَـاهِلِيةِ ٱلأُولَىٰ﴾، فكيف بغيرهن؟. قال المفسرون من السلف: التبرج: “هُوَ إِظْهَارُ الزِّينَةِ وَإِبْرَازُ الْمَحَاسِنِ لِلرِّجَالِ“.

أما الذين وصفوا الناصحين لكِ بالحشمة بأنهم متشددون، فلو نظرتِ في سلوك هؤلاء الواصفين وأقوالهم لتبين لك ضعف التزامهم بدينهم، فهل يُقبل رأيهم في التمييز بين التدين الصحيح وغيره؟ وهل تؤخذ أقوالهم وتُصدق في خصومهم؟

ختاماً .. يا أيتها الفتاة، إن ربّك الرّحمن الرّحيم يقول ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾، فهل تستجيبين لإرادة ربك ليتوب عليك ويدخلك جنته، أم لإرادة من يتبعون الشهوات؟

لا تعليق

اترك تعليقاً