تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدونة مفاهيم

يَتَودَّدُ إليك .. فأحبَّه ..

لا تعليق

ليس مستغرباً أن ترى فقيراً يتقرَّب إلى غني، ومرؤوساً يتحبَّب إلى رئيس، وولداً يتودَّد إلى والد، لكن أن تجد غنياً قوياً عزيزاً، وهو الله عز وجل، يتودّد إلى مَن هُم في حاجةٍ إليه، ويتحبّب إلى مَن لا يستغنون عنه طرفة عين، فهذا من أعجب العجب.

لقد سمَّى الله تعالى نفسه الودود، كما في قوله: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِيءُ ويُعِيدُ وهو الغَفُورُ الودُود﴾، وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ قِيلَ: “مَعْنى ودُودٌ مُتَحَبِّبٌ إلى عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ“، “وأنَّهُ يَفْعَلُ بِعِبادِهِ ما يَفْعَلُهُ مَن هو بَلِيغُ المَوَدَّةِ بِمَن يَوَدُّهُ مِنَ اللُّطْفِ بِهِ وسَوْقِ الخَيْرِ إلَيْهِ ودَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُ“.

وإليك أيها القارئ الكريم صوراً من تودّد الله تعالى إلى عباده، وتحبّبه إليهم:

فمنها: تقرّبه سبحانه من عباده متى تقرَّبوا منه ورغبوا في فضله وجوده، بل إن تقرَّبه إليهم أعظم وأكثر من تقربهم إليه، كما ورد في الحديث القدسي: (ومَن تقرَّبَ إليَّ شبراً تقرَّبتُ مِنه ذِراعاً، ومن تَقرّبَ مِني ذِراعاً تَقرّبتُ مِنه بَاعاً) رواه مسلم، قال النووي: “مَعْنَاهُ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِطَاعَتِي تَقَرَّبْت إِلَيْهِ بِرَحْمَتِي وَالتَّوْفِيق وَالْإِعَانَة, وَإِنْ زَادَ زِدْت, فَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي وَأَسْرَعَ فِي طَاعَتِي أَتَيْته هَرْوَلَة, أَيْ صَبَبْت عَلَيْهِ الرَّحْمَة وَسَبَقْته بِهَا, وَلَمْ أُحْوِجْه إِلَى الْمَشْي الْكَثِير فِي الْوُصُول إِلَى الْمَقْصُود“.

ومنها: تفضله سبحانه بذِكر عباده في الملأ الأعلى إذا هم ذكروه سبحانه، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، “يا للتفضل الجليل الودود! الله جل جلاله يجعل ذِكرَه لهؤلاء العبيد مُكافئاً لذِكرِهم له في عالمهم الصغير. إن العبيد حين يذكرون ربهم يذكرونه في هذه الأرض الصغيرة، وهم أصغر من أرضهم الصغيرة، والله حين يذكرهم يذكرهم في هذا الكون الكبير، وهو الله العلي الكبير. أي تفضل، وأي كرم، وأي فيض في السماحة والجود !“.

ومنها: تودده لعباده لحثهم على أفعالِ بِرٍّ كعيادة المريض، ففي الحديث القدسي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي. قَالَ: يَا رَبّ! كَيْف أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْت أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ, أَمَّا عَلِمْت أَنَّك لَوْ عُدْته لَوَجَدْتنِي عِنْده) رواه مسلم، ‏قَالَ الْعُلَمَاء : “إِنَّمَا أَضَافَ الْمَرَض إِلَيْهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى, وَالْمُرَاد الْعَبْد تَشْرِيفًا لِلْعَبْدِ وَتَقْرِيبًا لَهُ“، فتأمل كيف يتودَّد الله عز وجل إلى عباده، فيقول، وهو القوي العظيم شافي المرضى، إنه (مَرِض)؛ ليستحث عباده على عيادة المريض، وقارن هذا مع ما تقوله أجهزة الإعلام عندما يمرض زعيم دولة ما، حيث لا يخبرون شعوبهم أصلاً بذلك، لأنهم يزعمون أن الإخبار عن مرض الزعيم ينتقص من مكانته وهيبته، ولا يجتمع مع تعظيمه، ولهذا تجد وسائل الإعلام تذكر خبراً عاماً لا يفيد المرض.

ومنها: قُربه من عباده وإجابته لأدعيتهم، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، قال البقاعي: “وإذا ﴿سَألَكَ عِبادِي عَنِّيأيْ: هَلْ أنا عَلى حالِ المُتَكَبِّرِينَ مَن مُلُوكِ الدُّنْيا في البُعْدِ عَمَّنْ دُونَهم، فَأخْبِرْهم أنِّي لَسْتُ كَذَلِكَ“. ولاحظ “إضافة العباد إليه، والرد المباشر عليهم منه، لم يقل: فقل لهم: إني قريب. إنما تولى بذاته العليَّة الجواب على عباده بمجرد السؤال. (فَإِنِّي قَرِيبٌ) ولم يقل اسمع الدعاء، إنما عجل بإجابة الدعاء“. وتأمل كيف أن ربنا الحَيِيّ الستَّير الخالق الرازق المنعم، يستحيي من عبده الفقير الضعيف إذا دعاه ألا يستجيب له، ففي الحديث: (إن ربكم حييٌ كريمٌ يستحيي مِن عبدهِ إذا رَفعَ يَديهِ إليه أن يَرُدَّهُما صِفراً) رواه أبوداود والترمذي.  فما أعظمه من إله، وما أجمل قربه منَّا بعلمه ولطفه بنا سبحانه.

ومنها: ضربه سبحانه الأمثال للناس لتوضيح مراداته منهم، ولتقريب المعاني الغيبية والعقلية لهم، وليتفكروا في عظمته ويتذكروا قدرته وإنعامه عليهم؛ فيؤمنوا على بصيرة، وينقادوا عن بيَّنة وطمأنينة ورضا. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، وخذ مثالاً واحداً لترى كيف يُصوِّر الله فيه شناعة الشرك على صاحبه، وطمأنينة التوحيد، ليعقل ذلك أولو الألباب، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾.

ومنها: رأفته ورحمته بعباده إذا هم انحرفوا عن دينه وعصوا أوامره، بأن يُرسل عليهم الآيات والابتلاءات لعلهم يعودون ويتوبون إليه قبل أن يلقوه يوم القيامة، وحينها لا ينفع الندم والحسرة، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، قال قتادة: “لعلّ راجعاً أن يرجع، لعل تائباً أن يتوب، لعلّ مستعتباً أن يستعتب“.

ومنها: تحبُّبه لعباده بتعدُّد نِعَم الله عليهم وتواليها، قال ابن القيم: “وفى بعض الآثار: (يقول الله … كم أتحبب إليك بالنعم، وأنا غنى عنك، وكم تتبغض إليَّ بالمعاصى، وأنت فقيرٌ إليَّ). ولو لم يكن من تحببه إلى عباده وإحسانه إليهم وبره بهم إلا أنه سبحانه خلق لهم ما فى السموات والأرض وما فى الدنيا والآخرة، ثم أهّلَهَم وكرَّمَهم، وأرسل إليهم رُسله، وأنزل عليهم كتبه، وشرع لهم شرائعه، وأذِن لهم فى مناجاته كل وقت أرادوا، وكتب لهم بكل حسنة يعملونها عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وكتب لهم بالسيئة واحدة، فإن تابوا منها محاها وأَثبت مكانها حسنة، وإذا بلغت ذنوب أحدهم عَنان السماءِ ثم استغفره غفر له“.

 ختاماً .. أيها القارئ الكريم! ألا يُحرِّك فينا هذا الودّ والتقرّب من ربنا وخالقنا – مع غناه عنَّا- مزيدَ حبٍ وأنسٍ وطاعة وقرب منه، مع عظيم حاجتنا وفقرنا إليه؟ قال ابن القيم: “من أعجب الأشياء … عِلمك أنك لا بدَّ لك منه سبحانه، وأنك أحوج شيء إليه، وأنت عنه مُعرِض، وفيما يُبعدك عنه راغب“.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *