2 تعليقات
يتحدث المربون والمصلحون عن حوافز مشجعة للناس لحثِّهم على أداء أفعالٍ صالحة، ويُذكِّرونهم كذلك بموانع للبُعد عن أفعالٍ مشينة، وكلّما عدَّدوا الحوافز، ونوّعوا الموانع؛ كلما كان ذلك أبلغ في التأثير، لاختلاف الناس في صفاتهم وميولهم، فالحافزُ الذي ينفع مع أحدٍ قد لا ينفع مع آخر، وكذلك الموانع.
وهذه مجموعةٌ من الحوافز والموانع التي يحسن الحديث والتذكير بها، والتنويع في عرضها بحسب حال المتلقي:
الحياء من الله تعالى
ينفع مع كثير من الناس، لكي يزدادوا من الطاعات أو يبتعدوا عن المعاصي؛ تذكيرُهم بصفات الجمال لله تعالى، ليستحيوا من ربهم ومولاهم، الذي خلقهم وأغدق عليهم من النعم، وصرف عنهم النقم، وقد ورد في القرآن هذا التذكير، كقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾، قال ابن كثير: “مَا غَرَّكَ يَا ابْنَ آدَمَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ-أَيِ: الْعَظِيمِ-حَتَّى أَقْدَمْتَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَقَابَلْتَهُ بِمَا لَا يَلِيقُ؟ وأَتَى بِاسْمِهِ ﴿الْكَرِيم﴾؛ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَابَل الْكَرِيمُ بِالْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ، وَأَعْمَالِ السُّوءِ“.
ورُوي أنَّ رجلاً قال لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَوْصِنِي. فقَالَ: (أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِيَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا تَسْتَحِي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ) رواه أحمد وصححه الألباني، قال ابن جرير: “لا أحد من الفسقة إلا وهو يستحي من عملِ القبيحِ عن أعين أهل الصلاح، وذوي الهيئات والفضل؛ أن يراه وهو فاعله، والله مُطّلعٌ على جميع أفعالِ خَلْقِه، فالعبد إذا استحى من ربه استحياءه من رجلٍ صالحٍ من قومه، تجنَّب جميعَ المعاصي الظاهرة، والباطنة“، وقال الراغب الأصفهاني: “حقُّ الإنسان إذا همَّ بقبيح أن يتصوّر أجَلَّ مَن في نفسه حتى كأنه يراه، فالإنسان يستحي ممن يَكبُر في نفسه، ولذلك لا يستحي من الحيوان، ولا من الأطفال، ولا من الذين لا يُميّزون، ويستحي من العالِم أكثر مما يستحي من الجاهل، ومن الجماعة أكثر مما يستحي من الواحد“.
رقابة الله تعالى
وكما أن أناساً ينتفعون إذا ذُكِّروا بصفات الجمال لله تعالى، فهناك آخرون ينتفعون إذا ذُكِّروا بصفات الجلال لله عزَّ وجلَّ، كالتذكير بسمعه سبحانه الذي يَسَع كل شيء، وبصره الذي يُدرك كل شيء، وعِلمِه الذي يحيط بكل شيء، فيستشعر العبدُ حينئذ رقابةَ الله عليه، ورؤيتَه لأفعاله، وسمعَه لأقواله، وعِلمَه بخفايا جَنانه، فيخشى أن يتكاسل عن طاعة أو يقع في معصية. قال تعالى منبهاً على اطلاعه على جميع أعمال عباده: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾، وقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، قال ابن كثير: “يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِلْمِهِ التَّامِّ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، جَلِيلِهَا وَحَقِيرِهَا، صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، دَقِيقِهَا وَلَطِيفِهَا؛ لِيَحْذَرَ النَّاسُ عِلْمَهُ فِيهِمْ، فَيَسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقّ الْحَيَاءِ، ويَتَّقُوهُ حَقَّ تَقْوَاهُ، وَيُرَاقِبُوهُ مُرَاقَبَةَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْعَيْنَ الْخَائِنَةَ وَإِنْ أَبْدَتْ أَمَانَةً، وَيَعْلَمُ مَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ خَبَايَا الصُّدُورِ مِنَ الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ”. وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: “هُوَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ، وَفِيهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ، أَوْ تَمُرُّ بِهِ وَبِهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ إِلَيْهَا، فَإِذَا فَطِنُوا غَضّ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ، فَإِذَا فَطِنُوا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْهَا“، وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أَيْ: “رَقِيبٌ عَلَيْكُمْ، شَهِيدٌ عَلَى أَعْمَالِكُمْ حَيْثُ أَنْتُمْ، وَأَيْنَ كُنْتُمْ، مِنْ بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ، فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، فِي الْبُيُوتِ أَوِ الْقِفَارِ، الْجَمِيعُ فِي عِلْمِهِ عَلَى السَّوَاءِ، وَتَحْتَ بَصَرِهِ وَسَمِعِهِ، فَيَسْمَعُ كَلَامَكُمْ وَيَرَى مَكَانَكُمْ، وَيَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَنَجْوَاكُمْ“.
اليوم الآخر
استفاض في القرآن ذِكر اليوم الآخر، وقُرِن في مواضع عديدة بالإيمان بالله تعالى، مما يبين مكانته وأهميته في تصحيح المعتقدات وسلامة السلوك، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، وبيَّن تعالى ما يدفع عباده المؤمنين إلى فعل الطاعات واجتناب المنكرات، فقال: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ﴾، قال السعدي: “لما كان ترك الدنيا شديداً على أكثر النفوس، وحُبّ المكاسب بأنواع التجارات محبوباً لها، ويشق عليها تركه في الغالب، وتتكلف من تقديم حق الله على ذلك، ذَكَر سبحانه ما يدعوها إلى ذلك -ترغيباً وترهيباً- فقال: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ من شدة هوله وإزعاجه للقلوب والأبدان، فلذلك خافوا ذلك اليوم، فسهل عليهم العمل، وترك ما يُشغِل عنه“، وصدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قال: “لولا يوم القيامة لكان غير ما ترون“.
المكانة الاجتماعية
ما أكثر من يرعوي عن فعل مشين، ويستحيي من فِعلِه إذا ذُكِّر بمكانته الاجتماعية، وعراقة أسرته، وأصالة معدنه، فإن المجتمعات المحافظة تستنكر إذا رأت أحداً ممن ينتسب إلى بيوت الفضل والصلاح يفعل خلاف ما عليه أسلافه، ولهذا، لـمّا رأى أناسٌ مريمَ الطاهرة البتول ومعها رضيع، ظنّوا بها ظنَّ السوء، وقالوا متعجبين: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾، “أَيْ: أَنْتِ مِنْ بيتٍ طيبٍ طاهر، معروف بالصلاح وَالْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ، فَكَيْفَ صَدَرَ هَذَا مِنْكِ؟“. وهذا “فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الفُرُوعَ غالِبًا تَكُونُ زاكِيَةً إذا زَكَتِ الأُصُولُ، ويُنْكَرُ عَلَيْها إذا جاءَتْ بِضِدِّ ذَلِكَ“. وعندما كان النبي ﷺ يبايع النساء على أمورٍ من بينها ألاّ يزنين، قالت هند بنت عتبة له: “يا رسول الله! أوتزني الحُرّة؟!“، فاستنكرت بفطرتها وقوع الفاحشة من الحرائر. ولمَّا استشار عمرُ بن عبد العزيز إياسَ بن معاوية فيمن يولِّيه من الناس، قال له: “عليك بأهل البيوتات، الذين يستحيون لأنسابهم، ويرجعون إلى أعراقهم؛ فولِّهم“، ورأى رجلٌ شاباً مراهقاً يتراقص في الشارع، فقال له: ألست ابنَ الداعية فلان، وحفيدَ العالِم فلان؟ فاستحيا منه، وأصلح من حاله.
الأنفة من الأوصاف المذمومة
كم من شخص أحجم عن رذيلة، وابتعد عن ريبة؛ خشية أن يُوصَم بها، فتنزل مكانته في قومه، فعندما سأل هرقل أبا سفيان قبل إسلامه عن النبي ﷺ، أجابه عنه بصدق، ولم يفترِ عليه فرية، وقال: “فواللهِ لَولا الحَياءُ مِن أن يَأثُروا عليَّ كَذِبًا لَكَذَبتُ عنه“، وذكر ابن القيم أن الذنوب تسلب صاحبَها الصفاتِ المحمودة، وتُلبِسه الصفات المذمومة، فقال: “أنّها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذمّ والصَّغار. فتسلبه اسم المؤمن، والبَرّ، والمحسن، والمتقي، … ونحوها، وتكسوه اسم الفاجر، والعاصي … وقاطع الرحم وأمثالها، فهذه أسماء الفسوق و ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾”.
الخوف من الفضيحة
يمتنع كثيرٌ من الناس عن غشيان بعض المعاصي خشيةَ الفضيحة بين أهليهم ومجتمعهم، وكلما كان المجتمع متشبثاً بمعالي الأخلاق مبتعداً عن سفاسفها كان استنكاره واستهجانه عظيماً على كلِّ مَن افتضح بارتكاب ما يشينه، وكلما كانت هناك رقابة وعقوبة من السلطان على مَن يفعل الرذائل؛ كان ذلك أدعى للابتعاد عنها.
الخوف من المرض
ما أكثرَ مَن يتجنب معصيةً أو يتوب منها إذا علِم أنها تضر بصحته، وتسبب له الأمراض.
وختاماً .. فيا أيها المصلح المبارك! إذا لم يستجب مُقصِّرٌ حين حفَّزته، ولم يُقلِع عاصٍ حين ذكّرته بقول الله تعالى وبقول رسوله r؛ فلا تتوقف عند ذلك، بل شجَّعه ببقية الحوافز، وذكِّره ببقية الموانع والروادع، لعلها تكون –بإذن الله- مُعيناً على أوبته، وسبباً في توبته.
2 تعليقات

جزاكم الله خير
ونفع بعلمكم وفهمكم.
في ظني ان ما اسميته بـ”الحوافز” تنقسم إلى قسمين:
حوافز أخروية: وهي تنفع مع الجميع لان النص جاء بها وهي نصوص عامة.
حوافز دنيوية: وهي التي قد تنفع مع البعض دون الاخر بسبب مؤثرات اخرى مثل المكانة الاجتماعية والبئة والمكان والزمان.
بارك الله فيك ونفع بك