3 تعليقات
من الصعب أن يُصغي إليك شخصٌ أو يرى ما معك؛ إذا كان بَصره وسمعه وعقله مشدوهاً ومتعلقاً ومعجباً بكلامٍ ومشاهد يراها، فـ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. وهذا هو الذي يحدث في الواقع عندما يتحدث مُصلحٌ ومُربٍّ مع مسلمين قد سحرهم الغرب وأبهرهم الشرق، وامتلأت القلوب إعجاباً بهم وحباً لهم.
وفي مثل هذا الحال، فإن من أولى الأولويات للمصلحين والمربين رفع غشاوة سحر الغرب عن الأبصار، وإزالة إبهار الشرق عن النفوس، وذلك بالتعريف ببطلان معتقداتهم، وبؤس أحوالهم، ليستبين سبيلهم، فقد قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾، قال المفسرون: أي “وَلِتَظْهَرَ طَرِيقُ الْمُجْرِمِينَ الْمُخَالِفِينَ لِلرُّسُلِ. وإذا اسْتَبانَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ فَقَدِ اسْتَبانَ سَبِيلُ المُؤْمِنِينَ. فإن سبيل المجرمين إذا استبانت واتضحت، أمكن اجتنابها، والبعد منها، بخلاف ما لو كانت مشتبهة ملتبسة، فإنه لا يحصل هذا المقصود الجليل“، وقال ابن القيم: “فالعالمون بالله وكتابه ودينه عَرفوا سبيلَ المؤمنين معرفةً تفصيليةً وسبيلَ المجرمين معرفةً تفصيليةً، فاستبانتْ لهم السبيلانِ كما يستبين للسالك الطريقُ الموصلُ إلى مقصوده والطريقُ الموصلُ إلى الهلكة؛ فهؤلاء أعلم الخلق، وأنفعهم للناس، وأنصحهم لهم، وهم الأَدِلَّاءُ الهداةُ“.
إن معرفة المسلمين بالأحوال البائسة للكفار والمنافقين، وزوال مكانتهم من القلوب؛ وسقوط لافتاتهم الخادعة؛ من أقوى أسباب سماع أقوال المصلحين والمربين، والاستجابة لدعواتهم؛ فإن التخليةَ مُقدّمةٌ على التحلية، كما أن أول كلمة في شهادة التوحيد هي نفي الآلهة الباطلة والكفر بها، ثم إثبات الإله الحق وحده سبحانه.
قال عمر رضي الله عنه: (إنما تُنقض عُرى الإسلامِ عُروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية)، قال ابن القيم مُعلقاً: “وهذا لأنه إذا لم يَعرِف الجاهليةَ والشرك، وما عابه القرآنُ وذمّه؛ وقع فيه وأقرَّه ودعا إليه وصوَّبه وحسَّنه، وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية، أو نظيره أو شرٌ منه أو دونه، فينقض بذلك عُرى الإسلام عن قلبه، ويعودُ المعروفُ منكراً، والمنكرُ معروفاً، والبدعةُ سنةً، والسنةُ بدعةً … ومن له بصيرة ٌوقلبٌ حي؛ يرى ذلك عياناً، والله المستعان“. وقال شيخ الإسلام: “كان الصحابة رضي الله عنهم أعظم إيماناً وجهاداً ممن بعدهم؛ لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير وبغضهم للشر، لما عَلِمُوه مِن حُسنِ حَالِ الإسلام والإيمان والعمل الصالح، وقُبحِ حالِ الكفر والمعاصي“.
ولأجل هذه الغاية العظيمة؛ فقد استفاض في القرآن ذِكرُ معتقدات وأقوال الكفار والمنافقين، وتسفيهها والحطّ منها، وبيان عوارها، ولم يتوقف الأمر عند هذا فحسب، بل زاد عليه بأن تكرر وصفهم بأشنع الأوصاف وأسوأها، ويكفي لبيان ذلك قوله سبحانه عنهم: ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا﴾.
فما نصيب بيان أحوال الكفار والمنافقين ومعتقداتهم في الخطاب الإصلاحي والتربوي؟ وما حجم الجهود الإعلامية المبذولة لأجل ذلك، حتى ينفكَّ عن العقول سحرهم، ويزول عن القلوب حبهم، وتسقط من الأعين كل لافتة خادعة لهم؟.
3 تعليقات

جزاك الله خيرا
المشكله ان الغشاوه تُنمّى عند البعض بأنفسهم اكثر من انها تنمو.
جمل الله احوالك… كما جملت مقالك
بارك الله فيكم ونفع بكم وبعلمكم ،،
يقول الله تعالى ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153]
روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه- قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً.
سبيل الله تعالى واحد، والسبل الأخرى كثيرة كما جاء في المثال وكما هو الواقع،
من نشأ في بيئة الجاهلية فيها مستحكمة جاهلية في العقائد والتصورات والمفاهيم والمعاملات والاخلاق فلاشك أن هذا سينعكس عليه وعلى استحكام الجاهلية فيه،
بعكس من تلوث بشيء من الجاهلية اما لحديث اتصاله بها او لجهله بالدين او لغلبة الغرائز عليه.
لكل منهما اسلوب دعوة ونصح وإرشاد،
لكن بيان الجاهلية بتفصيلاتها او اصولها قبل الدعوة اظنه غير ضروري إلا كمدخل سريع للدعوة، والا فالأصل بيان سبيل الله بالإجمال، ثم تذكر نماذج من ممارسات الجاهلية مختصرة فقط من باب بيان سوءها ومخالفتها للفطرة والطبيعة والأديان، حتى يترك للمدعو او المنصوح مجال للمقارنة وتحكيم العقل والمنطق اللذان هما مناط التكليف.
والسيرة المباركة مليئة بنماذج كثيرة مختلفة تبين أن الداعية يختار الأسلوب الأفضل والذي يعني الأمثل لحال المدعو من ناحية المضمون والوسيلة والمشاعر.
جزاك الله خير
دائمًا نستفيد منكم ومن مواضيعكم القيمة الواقعية والتي يحتاجها كل احد.
‘—‐—–####### ———
تعليق
حياك الله أستاذي الكريم
القرآن مليء بالآيات التي تتحدث عن الكفر وأنواعه وأسبابه وصفات أهله، ومن الآيات الجامعة في هذا الشأن، والتي جعل الله فيها الكفر بالطاغوت شرطا للتمسك بالدين، قوله تعالى: ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى)
فكيف يؤمر بأمر لا تُعرف معالمه؟
محبكم منصور