لا تعليق
يُطلِق المدراءُ والمعلمون والآباء وغيرهم؛ وعوداً كثيرةً لشحذ هِمم المستهدفين بها؛ من أجل أن يُضاعفوا من جهودهم، ويصبروا على ما سيواجهونه من عراقيل ومصاعب. وقد يفي أصحابُ الوعود بوعودِهم، وقد لا يَفُون بها بسبب ظروفٍ خارجةٍ عن إرادتهم، أو لعدم صِدقهم حين قالوها.
إلا أن الوعودَ التي لا يخيب أبداً رجاء من انتظرها، ولا تعترضها ظروفٌ وخُطوبٌ تمنعها، ويتأكد تحققها، ويصدق قول من أطلقها؛ هي الوعود التي قالها العزيز الحميد، الفعَّال لما يريد، سبحانه، فقد قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾، وقال: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾.
والوعود الربانية لها غايات ومقاصد جليلة؛ منها:
عدم الاغترار بزينة الحياة الدنيا، والانجراف وراء إغراء ومساومة المفسدين، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
وكذلك التحذير من خطوات الشيطان وكيده، وتزيينه ووعوده، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً﴾ قال ابن القيم: “إن أحدهم يَهمُّ بالصدقة والبذل، فيجد في قلبه داعياً يقول له: متى أخرجت هذا دعتك الحاجة إليه، وافتقرت إليه بعد إخراجه، وإمساكه خيرٌ لك، حتى لا تبقى مثل الفقير … فإذا صوّر له هذه الصورة أمره بالفحشاء وهي البخل الذي هو من أقبح الفواحش … فهذا وعده وهذا أمره، وهو الكاذب في وعده، الغارّ الفاجر في أمره. فالمستجيب لدعوته مغرور مخدوع مغبون … وأمَّا اللهُ سبحانه فإنه يَعِدُ عبدَه مغفرةً منه لذنوبه، وفضلاً بأن يَخلف عليه أكثر مما أنفق وأضعافه، إما في الدنيا أو في الدنيا والآخرة“.
ومن غايات التذكير بموعود الله؛ الإعانة على الصبر كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، صبر المؤمن على البلاء، وصبره على زينة الدنيا إذا أقبلت ألا تُنسيه الآخرة، وصبره على رؤية الكفار والمنافقين يعلون في الأرض “ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين تهتف لهم الدنيا، وتُصفِّق لهم الجماهير, وتتحطم في طريقهم العوائق، وتُصاغ لهم الأمجاد, وتصفو لهم الحياة، وهو مُهملٌ مُنكَرٌ، لا يحسّ به أحدٌ، ولا يُحامِي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله، الذين لا يملكون من أمرِ الحياة شيئاً“، وكذلك الصبر على “فتنة أن يجد المؤمن أمماً ودولاً غارقةً في الرذيلة، وهي مع ذلك راقية في مجتمعها، متحضرة في حياتها, يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة الإنسان، ويجدها غنية قوية، وهي مُشاقّة لله تعالى“.
ومن الصبر؛ الصبر على الثبات على الدين، والبعد عن استعجال النصر والتمكين، وعدم الالتفات إلى إرجاف المرجفين، وتخويف المبطلين، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾، “أَيْ: بَلِ اثْبُتْ عَلَى مَا بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ، فَإِنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلَا تَعْدِلْ عَنْهُ، وَلَيْسَ فِيمَا سِوَاهُ هُدَى يُتَّبَعُ، بَلِ الْحَقُّ كُلُّهُ مُنْحَصِرٌ فِيه“، و “لا تَفْعَلْ مَعَهم فِعْلًا يُطْمِعُهم في أنْ تَمِيلَ إلَيْهِمْ فِيهِ“.
والله جلّ جلاله يَعِدُ عباده المؤمنين وعوداً يحققها لهم في الدنيا، وأخرى يُريهم إياها ويُسعدهم بها في الآخرة، فمن وعود الله التي لا تُخلف لعباده في الحياة الدنيا؛ وعدُه إيّاهم بأن يكونوا سادة الأرض، وأن يُؤمِّن أحوالهم وديارهم، متى آمنوا به ووحدوه وأطاعوه، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾، قال ابن كثير: “هَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ بِأَنَّهُ سَيَجْعَلُ أُمَّتَهُ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ، أَيْ: أئمةَ النَّاسِ والولاةَ عَلَيْهِمْ، وَبِهِمْ تَصْلُحُ الْبِلَادُ، وَتَخْضَعُ لَهُمُ الْعِبَادُ، ولَيُبدلَنّ بَعْدَ خَوْفِهِمْ مِنَ النَّاسِ أَمْنًا وَحُكْمًا فِيهِمْ، وَقَدْ فَعَلَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَلِكَ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ وَخَيْبَرَ وَالْبَحْرَيْنِ، وَسَائِرَ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَرْضَ الْيَمَنِ بِكَمَالِهَا، وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوس هَجَر، وَمِنْ بَعْضِ أَطْرَافِ الشَّامِ، وَهَادَاهُ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ“. ومن وعوده سبحانه لعباده في الدنيا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾، فأين مَن يترك مُحرَّماً محبوباً للنفس، ثقة بوعد الله أن يُعوَّضه خيراً، ويُزيل كربته، ويرزقه من حيث لا يحتسب؟. ومن وعوده سبحانه لعباده في الدنيا وعده لمن تصدَّق بالعِوض في الدنيا، وبالأجر المضاعف في الآخرة، فقد قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾.
ومن وعود الله تعالى التي لا تُخلف لعباده المؤمنين في الآخرة؛ مغفرةُ ذنوبِ مَن تاب، ومضاعفة أجوره، قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وكذلك دخول الجنة لكل من آمن به وأطاعه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾.
من جهة أخرى فإن الله عز وجل قد وعد وعوداً للمنافقين والكافرين في الدنيا والآخرة، فمنها أنه سبحانه “لا يُثْبِتُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ ولا يُدِيمُهُ بَلْ يُزِيلُهُ ويَمْحَقُهُ، أوْ لا يُقَوِّيهِ ولا يُؤَيِّدُهُ بَلْ يُظْهِرُ بُطْلانَهُ ويَجْعَلُهُ مَعْلُومًا“، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. ومن شواهد هذا أن فرعون وهو أحد أكبر طغاة التاريخ، استعان بالسحرة على موسى عليه السلام ودعوته، فأبطل الله كيده. وما أحسن قول ابن كثير: “ظَنَّ فِرْعَوْنُ أَنْ يَسْتَنْصِرَ بالسحَّار، عَلَى رَسُولِ عَالِمِ الْأَسْرَارِ، فَخَابَ وَخَسِرَ الْجَنَّةَ، وَاسْتَوْجَبَ النَّارَ“.
ومن وعود الله تعالى التي لا تُخلف وعده للمنافقين والكافرين في الآخرة أن يدخلهم النار ويَصُبَّ فيها عذابه عليهم، كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
ختاماً .. فإن مما يزيد من التصديق واليقين بوعود الله تعالى استشعار عظمته وقدرته التي لا يحدها أو يمنعها شيء، وأن الإيمان التام بوقوعها؛ يملأ القلب بالرضا، ويسكب في الروح السكينة، ويحفز الجوارح للعمل، ويُبعد عن النفس الهزيمة.
لا تعليق
