لا تعليق
رغم أن باب التوبة مفتوح، والله تعالى يفرح بتوبة العاصين، لكن كم من عاصٍ مستغرقٍ في دربِ الغوايةِ لا يُفيق، وكم مِن مُذنبٍ سائرٍ في طريقِ الضلالةِ لا يتوب، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ قال المفسرون: “أي يمضي الإنسان قُدُما في المعاصي، ويقول: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة، ولا يذكر الموت، فهو يُقدِّم الذنب ويؤخر التوبة، ويقول: سوف أتوب، سوف أتوب، حتى يأتيه الموتُ على شرّ أحواله وأسوأ أعماله“.
ولعل تأجيل العاصي للتوبة، والمضي في حياة الغفلة والمعاصي، له أسباب:
منها: استبعاد يوم مَنيّتِه، ووضعه في قبره وحيداً فريداً، ليس معه سلطانه، ولا ماله، ولا قريبٌ حبيبٌ، ولا صديقٌ حميمٌ، ولهذا قال الله تعالى بعد هذه الآية: ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أي إن الحامل له على ذلك هو استبعاده ليوم القيامة سواءٌ قيامتُه الصغرى وهي وفاته، أم القيامة الكبرى.
فإذا تذكَّر العاصي حالَه في قبره، وأنه سيُسأل، فلا يجد ما يدفع عنه العذاب، فسيندم حينئذ، ولاتَ ساعةَ مندم. وأشدّ من ذلك حين يُبعث، فيَقدُم على خالقه ومولاه، ويمثل أمامه سبحانه، وقد أنعم عليه في الدنيا بأنواع النعم، فجعلها في معصيته. ثم يرى آثامه وعصيانه، فهو بين خجلٍ من ربه على ما قدَّم، ووجلٍ من العذاب على ما فعل. فما أصعبها من أحوال، وما أشدها من مواقف!.
ومنها: تزيين دعاة الفساد المعاصي، وتقريبها له.
هؤلاء الشياطين لن ينفعوه إذا وقف يوم القيامة بين يدي ربه للحساب، بل سيتبرؤون منه، كما حكى الله سبحانه حالهم وجدالهم في ذلك اليوم العصيب، فقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ﴾، فليتبرأ الأتباع منهم الآن قبل أن يتبرأ منهم السادة غداً.
ومنها: استصعاب الإقلاع عن الذنب والتوبة منه، بسبب طول العهد به وتكراره.
ما أكثر من تابوا من الكفر وتركوا دينهم، ودخلوا في الإسلام، رغم صعوبة تركهم لدينهم ودين آبائهم. وعليه، فإنه لا تُعجز المسلمَ العاصي التوبةُ من ذنوبه مهما طال عهده بها واعتادها. وانظر إلى حال كثيرٍ من معاقري الخمور ومدمني المخدرات الذين تابوا منها، رغم أن أبدانهم ودماءهم قد تشربت بها.
ومنها: اليأس من رحمة الله، والقنوط منها. وظنّ العاصي أن الله لن يقبل توبته وقد عَمِل ما عَمِل، فيمضي في معاصيه وغفلته.
إن من رحمة الله ولطفه بعباده أنه فتح لهم باب التوبة، مهما كانت الذنوب التي اقترفوها، فقد قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، بل إن من فضله سبحانه أنه توعَّد من يئس من رحمته وقنط منها، فقال: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، ومن تأمل الحديث التالي وعرف مدى فرح الله بتوبة عبده، لم يتردَّد في التوبة، قال رسول الله ﷺ: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، وقَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَح). قال ابن القيم: “الفرحة التي تحصل بالتوبة فرحة عجيبة، لا نسبة لفرحة المعصية إليها البتة، فلو علِم العاصي أن لذة التوبة وفرحتها تزيد على لذة المعصية وفرحتها أضعافًا مضاعفة؛ لبادر إليها أعظم من مبادرته إلى لذة المعصية“.
ومنها: الاعتماد على سعة رحمة الله ومغفرته
لا شك أن رحمة الله تعالى وسعت كل شيء، فقد ذكر سبحانه ذلك في كتابه، وبيّن من ينالها ويستحقها، فقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾، وأمر سبحانه عباده بالتوبة من الذنوب، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾، ولو كان الاتكال على سعة رحمة الله كافياً لمغفرة الذنوب، لما كان هناك موجبٌ للدعوة إلى التوبة.
ومنها: الرغبة في التوبة من بعض الذنوب، والشك في القدرة على التوبة من بعضها الآخر. فيبقى عليها كلها ولا يتوب منها، فيقول لنفسه: إما توبة تامَّة من جميع الذنوب، وإما البقاء عليها جميعاً.
وما علم أن توبته من الذنوب التي يقدر على التوبة منها ستساعده –بإذن الله – على توبته من الذنوب الأخرى وتُعينه عليها. ثم على فرض أنه تاب من بعضها ثم مات وهو لم يتب من بعضها الآخر؛ فإن يلقَ ربه ببعض ذنوبه أهونُ عليه من أن يلقاه بجميعها.
ومنها: الاغترار بكثرة العاصين
وما أكثر ما انخدع الناس بهذا الأمر! إن معرفة الصواب لا تُؤخذ من فِعل الأكثرية، بل من موافقته لشريعة ربنا تعالى، فلفظ (الأكثرية) لا يَرِد في القرآن إلا في معرض الذم، كقول الله تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، وقوله ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين﴾ ، كما أن لفظ (القِلة) لا يَرِد في القرآن إلا في معرض المدح، كما قال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وقوله ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾، والواقع يُصدِّق ذلك: فالمسلمون في العالم أقليَّة، وغيرهم الأكثرية.
ومنها: الغفلة عن الاستعانة بالله ودعائه
إنَّ خيرَ مُعينٍ على التوبة من الذنوب هو الاستعانة بالمعين سبحانه، فمتى رأى سبحانه الصدق في طلب التوبة والإقلاع عن المعاصي؛ أعان ووفَّق ويسَّر.
فإلى متى، وحتى متى، يبقى العاصي على عصيانه فلا يتوب، وربه الغفور الرحيم يدعوه ليُنيب، ويفرح بعودته، ويسأله فيستجيب؟
لا تعليق
