تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدونة مفاهيم

هل ستُساهِم مع هذا الرجل؟

1 تعليقات

لو دَعَا رجلٌ أناساً ليساهموا معه في بناء مُجمّعٍ تجاري، وقال لهم: إن نسبة الأرباح ستكون جيدة، لكنَّ صَكّ أرضِ المجمّعِ فيه مشكلات كثيرة، والحصول على تصريح البناء صعبٌ جداً، وإيجاد مقاول لبنائه قد لا يتيسر. فهل سيساهم أحدٌ معه؟

إن ما يفعله بعض المصلحين عند حديثه عن أحوال المجتمعات المسلمة يشبه -إلى حدٍّ كبيرٍ- ما يفعله صاحب المجمّع، فغالب حديثهم عمَّا وصل إليه كثيرٌ من المسلمين من أحوالٍ سيئةٍ، سواءٌ بتكالب الأعداء عليهم وحربهم لهم، أو بانغماسهم في المحرمات، أو بفساد الأحوال والمجتمعات. فيا لله! كيف لعاصٍ أن يعود إلى ربِّه، وكيف لمتأثرٍ بالغرب أن يعتز بإسلامه، بل كيف لمسلمٍ صالحٍ أن يثبت في طريقه، وقد ملأ سمعه، وشوّش عقله، وهزَّ قلبه هذا الصنف من الأحاديث؟

وممّا زاد الطين بِلَّةً، والشقَّ اتساعاً، التداولُ السريع والتسابقُ المحموم عند بعض المسلمين في نشر أخبار الفواجع الأخلاقية عبر منصات التواصل، حتى إن هذه الأخبار تحتل دائماً (الترند)، وتصبح حديث المجتمع.

لقد نهى الله تعالى عباده عن إشاعة أخبار الجرائم الأخلاقية وإن كانت قد حدثت فعلاً؛ حفاظاً على جوِّ النقاء والطهر في المجتمع، وحتى لا تتسبب كثرةُ تداول هذه الأخبار في جُرأة أناسٍ على ارتكاب تلك الجرائم بعدما كانوا يستشنعونها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، قال ابن كثير: “هَذَا تَأْدِيبٌ لِمَنْ سَمِعَ شَيْئًا مِنَ الْكَلَامِ السَّيِّئِ، فَقَامَ بِذِهْنِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَتَكَلَّمَ بِهِ، فَلَا يُكْثِرُ مِنْهُ وَيُشِيعُهُ وَيُذِيعُهُ“.

كما ورد نهيُ النبي صلى الله عليه وسلم الشديد، عن بث التشاؤم والتثبيط في صفوف الأمة، فقال: (إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكُهم -وفي رواية- فهو أهلكَهم) رواه مسلم، قال الخطابي شارحاً الرواية الأولى: “معناه: لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول مساويهم، ويقول فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكُهم أي أسوأ حالًا منهم، بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم“. وقيل في معنى الرواية الأخرى (فهو أهلكَهم)، أي: “ليس الناس كذلك ولا هلكوا إلا من قوله، لا حقيقة من قِبَل الله تعالى“.

إن المؤمَّل في مثل هذه الأوضاع، مِن كُلِّ مسلمٍ مُعتزٍ بدينه، مُتَّبِعٍ لأحكامه، حريصٍ على مجتمعه ومُحبٍ له، ألاَّ يكتفي فقط بترك الحديث عن أي خبرٍ أخلاقي مؤلم في المجتمع المسلم ونشره، بل لابدَّ – لرفع الروح المعنوية للناس – من نشر وإشاعة كلِّ خبرٍ مُفرحٍ يحدثُ في بلاد المسلمين، بنفس الحماسِ والهمَّةِ الموجودِة لدى ناشري التعاسةِ والألم.  

1 تعليقات

فكرة واحدة بخصوص “هل ستُساهِم مع هذا الرجل؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *