مُدَوّنة منصور بن محمد المقرن

لا تعليق

ما رأيكم – أيها السادة – لو قال رجلٌ: إن السيارة أسرعُ من الطائرة، وإن الأرض أكبرُ من الشمس، وإن القرد أجملُ من الغزال؟ أكان أحدٌ سيُصدِّقه؟ بالتأكيد لا؛ لأن هذه معلوماتٌ أولية، وحقائقُ مُشاهدة، قد عرفها واتفق عليها البشر جميعًا.

ولكن .. لماذا إذا قال ربُّ البشر سبحانه إنَّ أمرًا ما عظيمٌ عنده، وإن أمرًا ما صغيرٌ وحقيرٌ عنده، اختلف بعض الناس فيه، فصغَّروا وأعرضوا عمَّا عظَّمه الله سبحانه، وعظَّموا واهتموا بما صغَّره الله تعالى؟

لا تستغربوا – أيها السادة – هذا السؤال، وتعالوا نستعرض شواهد على ذلك:

أولاً: المعتقدات والقيم

لقد عظَّم الله وحذَّر من الشرك، فقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فهون أناسٌ -ينتسبون إلى الإسلام- من شأنه، فدعوا إلى وحدة الأديان، والإخوة الإنسانية، وما يُسمَّى بالديانة الإبراهيمية.

وعظَّم سبحانه وحذَّر من الكبائر كالربا والخمر والزنا، فظهر من يُسمِّي: الربا فوائد، والخمرَ مشروباتٍ روحية، والزنا علاقاتٍ عاطفية، بل وأحلُّوها بدعوى الضرورة الاقتصادية أو تحقيق الإشباع الغريزي.

وعظَّم سبحانه أمر السِّلم والترابط الاجتماعي، فنهى عن البيوع المحرَّمة، والغيبة، والنميمة، والقذف، والعلاقات المحرمة بين الجنسين، فأتى من يقول إن المرجع في جواز هذه الأمور من عدمها أعرافُ كل بلدٍ وأنظمتُه، وليس الشرع الحنيف، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.

ثانيًا: الأشخاص والكيانات

عظَّم اللهُ أمرَ المتقين، فجعلهم أكرم الناس عنده، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وإن كانوا فقراء محتاجين لا يُعرَفون.

وأعلى سبحانه شأن علماء الشريعة ودعاتها، فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، فجاء أقوام ووسائل إعلام فتجاهلوهم، بل وقدحوا فيهم، ورفعوا من شأن المطربين واللاعبين وأمثالهم، وأشغلوا المجتمعات بأخبارهم.

وبيَّن سبحانه مقومات وصفات الكيانات التي يعظِّمها ويحبها، فقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، فتجاهل فريقٌ من المسلمين ذلك، وأُعجبوا بكياناتٍ لغناها أو لقوتها أو لجودة حياة أهلها، وإن كانوا بعيدين عن مراضي الله تعالى.

ثالثًا: الحياة الدنيا والآخرة

عظَّم اللهُ أمرَ الآخرة ودعا إليها، وزهَّد في الحياة الدنيا، وحذَّر من الاغترار بها، فقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، وقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾، وفي الحديث: «إن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة»، فجاءت وسائل التواصل والإعلام فجمَّلت الدنيا في أعين الناس، وعرضت زينتها، وتفنَّنت في ذِكر أحوال المترفين.

رابعًا: الاهتمامات والأحاديث

عظَّم اللهُ سبحانه كلَ أمرٍ ينفع الناس في دينهم، وأمرهم به، ونهاهم عن كل ما يبعدهم عنه، وبيَّن لهم ما ينبغي أن يكون محطَّ اهتماماتهم ومجال حديثهم، مِن أمرٍ بالمعروف، ونهيٍ عن المنكر، وتعليمٍ للناس، ونفعٍ لهم، ونحو ذلك.
فظهر أناسٌ يُعظِّمون ويتحدثون عمَّا يرفعه “الترند”، ويُعظِّمه التافهون ووسائل التواصل، ولو كان أمرًا تافهًا، بل محرَّمًا.

خامسًا: النفس والقدرات

عظَّم الله أمر التواضع، ونهى عن تزكية النفس والكِبر والترفع على الناس، فخرج أقوام تعاظموا في أنفسهم بسبب مناصبهم أو مالهم أو جاههم، وازدروا الناس، وأصبح أحدهم كصاعد الجبل؛ يرى الناس صغارًا ويرونه صغيرًا أيضًا.

والسؤال الذي يُلقي بثقله هنا: كيف وصل كثيرٌ من الناس إلى هذه الحالة من تصغير ما عظَّمه الله تعالى، وتعظيم ما صغَّره سبحانه؟

لعل أبرز أسباب ذلك جهلُ هؤلاء الناس، وتجهيلُهم، وإبعادُهم عن أصول دينهم، والغايةِ من خلقهم، ومآلهم، وإشغالُهم بالمتع والماديات عن الأهداف السامية الجليلة، ورفعُ شعارات الفردانية.

وختامًا، إذا نُحِّيت موازين السماء السامية الرفيعة الدائمة، وحلَّ محلَّها ميزان البشر الضيق الوضيع الزائل، تبدَّلت المبادئ، واختلَّت القيم، وضاعت الأخلاق، وعاش الناس في ضيقٍ وهمٍّ، تطحنهم المادة، ويكويهم الضياع.

لا تعليق

اترك تعليقاً